لم يعد كافيًا أن تلعب الدولة دور الميسر أو المراقب في النشاط الاقتصادي، فالظروف الحالية تتطلب انتقالًا جذريًا نحو مقاربة أكثر فاعلية، حيث تكون الدولة قوة بناء وإنتاج، لا مجرد جهة تنظيمية أو تعديلية. في هذا السياق، يمثل نموذج بناء المشاريع (Venture Building) آلية ناجعة تُمكّن الدولة من تصميم مشاريع جاهزة للتنفيذ وفق احتياجات الاقتصاد الوطني، ثم تعميمها عبر مختلف الجهات وفق نماذج اقتصادية قابلة للاستنساخ. ولتحقيق هذا التحول، لا بد من اعتماد أدوات تنظيمية مرنة وفعالة، تجمع بين الشركات الناشئة المبتكرة والشركات الأهلية كأطر قانونية تتيح تنفيذ هذه المشاريع بسلاسة، وفق رؤية وطنية واضحة.

لماذا بناء المشاريع بدلًا من الاكتفاء بتحفيز الاستثمار؟

الرهان على السوق الحرة وحدها لإحداث التغيير الاقتصادي لم يحقق النتائج المرجوة، إذ ظل الاستثمار متركزًا في قطاعات ريعية (تجارة، خدمات استهلاكية)، ولم يساهم في إرساء منظومة إنتاجية قادرة على تحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي. ومن أبرز المشاكل التي تعيق التنمية المتوازنة:

  1. غياب التخطيط المركزي لاستثمارات القطاع الخاص، مما يؤدي إلى مشاريع متفرقة لا تندرج ضمن استراتيجية وطنية موحدة.
  2. هيمنة منطق الربح السريع، ما يجعل المستثمرين يحجمون عن القطاعات الاستراتيجية التي تتطلب استثمارات طويلة المدى.
  3. التفاوت الجهوي في التنمية، حيث يتركّز النشاط الاقتصادي في مناطق معينة، بينما تبقى جهات أخرى في حالة تهميش اقتصادي دائم.
  4. ضعف التكامل بين المشاريع، إذ تعمل المؤسسات بمعزل عن بعضها، بدل أن تكون جزءًا من منظومة إنتاجية متكاملة ومتفاعلة مع المؤسسات البحثية.

لمواجهة هذه الإشكاليات، لا بد من نقل الدولة من موقع الميسر إلى موقع الفاعل المباشر في الاقتصاد، عبر إنشاء مشاريع استراتيجية انطلاقًا من نماذج جاهزة (Blueprints)، تُصمَّم مركزيًا وفق الأولويات الوطنية، ثم تُنفَّذ على المستويات الجهوية والإقليمية عبر الشركات الأهلية والشركات الناشئة.

منطقة الشركات الناشئة في منطقة تجمع الابتكارات المتطورة في خليج سانلونج، فوشان، الصين

المنهجية: بناء المشاريع وفق نماذج جاهزة قابلة للاستنساخ

تعتمد هذه المقاربة على وضع نماذج لمشاريع إقتصادية استراتيجية قابلة للتطبيق في مختلف الجهات، وفق احتياجات كل منطقة. ويمكن تصنيف هذه المشاريع ضمن محاور رئيسية تشمل:

1. التصنيع والتكنولوجيا: استقلال القرار الاقتصادي يبدأ من الإنتاج

  • إنشاء شركات ناشئة متخصصة في التكنولوجيا والصناعات المتقدمة، مدعومة بمنظومات تصنيع محلية، بدلًا من التركيز على الخدمات الاستهلاكية.
  • بناء نماذج جاهزة لمجمعات صناعية صغيرة ومتوسطة، يتم إنشاؤها على المستوى الجهوي عبر شركات أهلية، ما يتيح نقل التكنولوجيا وتحقيق تكامل اقتصادي محلي.
  • تأسيس شركات وطنية ناشئة في القطاعات الاستراتيجية (الصناعات الدوائية، الطاقات المتجددة، الإلكترونيات)، مع إمكانية إشراك القطاع الخاص ضمن شراكة منضبطة تضمن بقاء السيطرة الوطنية على القرار الاقتصادي.

2. الأمن الغذائي: الإنتاج المحلي بدل الارتهان للاستيراد

  • تصميم نماذج فلاحية قابلة للاستنساخ وفق خصوصيات كل منطقة، تعتمد على تقنيات حديثة في الري والتخزين لضمان استدامة الإنتاج.
  • تأسيس شركات أهلية لإدارة المشاريع الزراعية والتحويلية على المستوى الجهوي، ما يضمن توزيعًا عادلًا لعائدات الإنتاج، بدل تركيزها في يد الوسطاء أو كبار الفلاحين.
  • إنشاء منظومات متكاملة للفلاحة والتصنيع الغذائي والتوزيع، بحيث لا يتم تصدير المواد الخام بل يتم تحويلها محليًا داخل كل جهة.

3. إعادة توجيه رأس المال نحو الاستثمار المنتج

  • خلق شركات جهوية تستثمر في مشاريع استراتيجية، بدل ترك رأس المال المحلي عرضة للمضاربات المالية أو الاستثمارات الطفيلية.
  • تطوير آليات تمويل بديلة مثل البنوك الإنتاجية، التي تساهم في تأسيس المشاريع، بدلًا من تقديم قروض بفوائد مرهقة وشروط تعجيزية.
  • إشراك المواطنين في ملكية المشاريع الإنتاجية عبر الشركات الأهلية، بحيث يتم توزيع الأرباح بطريقة عادلة، بدل أن تبقى الأرباح محتكرة من قبل المستثمرين التقليديين.
المجمع الوطني للمياه، مدينة دايڨو، كوريا الجنوبية

الشركات الأهلية والشركات الناشئة: تكامل في الأدوار لتحقيق إقلاع اقتصادي فعلي

حتى يكون تنفيذ هذه الاستراتيجية فعالًا، لا بد من توظيف الإطارين القانونيين المتاحين بشكل تكاملي:

  1. الشركات الأهلية كأداة لتنفيذ المشاريع محليًا
    • تُعد الشركات الأهلية نموذجًا مثاليًا لإدارة المشاريع الإنتاجية على المستوى الجهوي، نظرًا لكونها تمثل السكان المحليين مباشرة، وتخضع لإدارة جماعية ديمقراطية.
    • يمكن استخدام الشركات الأهلية لإدارة المشاريع الفلاحية، والتصنيع المحلي، والخدمات الأساسية، والسياحة، مما يضمن توزيعًا أكثر عدلًا للثروة.
    • بفضل ارتباطها بالجهة التي تنشط فيها، تتيح الشركات الأهلية تحقيق التنمية من الداخل، بدل الاعتماد على استثمارات خارجية نادرا ما كانت متماشية مع الأولويات الوطنية.
  1. الشركات الناشئة كمحرّك للابتكار في القطاعات الاستراتيجية
    • توفّر الشركات الناشئة قدرة على الابتكار والتطوير السريع، ما يجعلها أداة أساسية لتنفيذ المشاريع في مجالات التكنولوجيا والصناعة.
    • من خلال دعم هذه الشركات عبر استثمارات وطنية منظمة، يمكن تحقيق قفزات نوعية في مجالات مثل الطاقة المتجددة، تصنيع الأجهزة الإلكترونية، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي.
    • يمكن توجيه هذه الشركات لتكون جزءًا من منظومات إنتاجية متكاملة، بحيث تتكامل مع الشركات الأهلية بدل أن تعمل بمعزل عنها.
منطقة تعاون الابتكار العلمي والتكنولوجي هيتاو شنجن-هونغ كونغ في شنجن، مقاطعة قوانغدونغ، الصين

التنفيذ: من التخطيط المركزي إلى التطبيق الجهوي

إن نجاح هذه المقاربة يتطلب تنفيذًا لامركزيًا مضبوطًا، بحيث يتم:

  1. إعداد نماذج على المستوى الوطني، وفقًا لأولويات التنمية والاستقلال الاقتصادي.
  2. إسناد التنفيذ إلى شركات أهلية على المستوى الجهوي، ما يضمن توزيعًا أكثر عدلًا للثروة والفرص.
  3. تشجيع إنشاء شركات ناشئة في القطاعات الاستراتيجية، مع توفير دعم مالي وتقني يضمن نجاحها.
  4. فرض التزام واضح بالمردودية الاجتماعية والاقتصادية، بحيث لا تتحول المشاريع إلى كيانات بيروقراطية عقيمة.

خاتمة

لم يعد مقبولًا أن تبقى الدولة في موقع المراقب، بينما تتحكم اعتبارات السوق وحدها في رسم معالم الاقتصاد الوطني. إن بناء منظومة اقتصادية متماسكة يتطلب الانتقال من منطق التحفيز إلى منطق التنفيذ الفعلي، عبر تصميم مشاريع استراتيجية قابلة للاستنساخ، وتنفيذها بواسطة الشركات الأهلية كأداة لإدارة الموارد محليًا، والشركات الناشئة كقاطرة للابتكار. بهذه الطريقة، يمكن ضمان استقلال القرار الاقتصادي، تحقيق العدالة في توزيع الثروة، وخلق منظومة إنتاجية وطنية قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

القرار الحرّ،
الولاء للوطن، السيادة للشعب.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *