بعد تبادل الأسرى بين الكيان الصهيوني وحركة “حماس”، تتزايد المؤشرات على أن تل أبيب قد تستأنف عملياتها العسكرية في قطاع غزة، متذرعة بأن “حماس” لا تزال تمثل تهديدًا أمنيًا للكيان. هذا الطرح ليس جديدًا، بل يأتي في سياق استراتيجي أوسع يسعى الكيان إلى تحقيقه، يرتكز على عدة محاور رئيسية: استكمال مخطط تهجير سكان غزة إلى مصر أو الأردن، تقويض القوة العسكرية لـ”حزب الله” في لبنان، وتحجيم النفوذ الإيراني في العراق، خاصة بعد تراجع الدور السوري إثر سقوط نظام الاسد. هذه التحركات تعكس توجهًا صهيونيا طويل الأمد يهدف إلى إعادة رسم ميزان القوى في المنطقة وفق المصالح الجيوسياسية الصهيونية، بالاعتماد على الدعم الأمريكي والظروف الإقليمية المتغيرة.

صورة جوية تُظهر فلسطينيين مهجّرين وهم يسيرون نحو مدينة غزة في 27 جانفي. (AFP/Getty Images)

التهجير القسري لسكان غزة: مشروع قديم بغطاء جديد

منذ بداية الحرب الأخيرة، تسربت تقارير عن خطط إسرائيلية تهدف إلى إخلاء قطاع غزة من سكانه وتهجيرهم إلى سيناء المصرية أو حتى إلى الأردن. هذه الفكرة ليست جديدة، فقد سبق أن طُرحت في دوائر صنع القرار الإسرائيلي منذ عقود، لكنها وجدت دعمًا متجددًا من شخصيات سياسية أمريكية بارزة، مثل الرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي صرح بأن “الحل الأمثل” للوضع في غزة قد يكون في إعادة توطين سكانها في أماكن أخرى. هذه التصريحات أثارت ردود فعل غاضبة من قبل الدول المعنية، حيث أكد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أن “الأردن ليس بديلاً عن فلسطين، ولن يكون جزءًا من أي مخطط يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير”. كما رفضت مصر على لسان رئيسها عبد الفتاح السيسي أي محاولة لإجبار الفلسطينيين على النزوح إلى أراضيها، معتبرة أن ذلك سيشكل تهديدًا لاستقرارها الداخلي، خاصة أن وجود أعداد كبيرة من الفلسطينيين في سيناء قد يخلق ديناميكيات جديدة مع الجماعات المسلحة الناشطة في المنطقة.

تحييد المقاومة اللبنانية: ضربة استباقية في ظل انتهاء الدعم السوري

بالتوازي مع غزة، فإن “حزب الله” يظل في صدارة الأولويات العسكرية لإسرائيل، حيث تعتبره تهديدًا استراتيجيًا نظرًا لترسانته الصاروخية الهامة، والتي تشمل صواريخ دقيقة يمكن أن تصل إلى عمق فلسطين المحتلّة. على مدى السنوات الماضية، اعتمد “حزب الله” على سوريا كممر رئيسي لنقل الأسلحة القادمة من إيران. لكن ومع سقوط نظام الأسد وتولي نظام جديد بقيادة الجولاني الذي يعلن الولاء صراحة لأمريكا وتركيا ويكن العداء لايران بل ويعتبر اسرائيل جارة إقليمية فلا شكّ من تقلّص الموارد والقدرات العسكرية للحزب. مما يجعله في وضع دفاعي أكثر من أي وقت مضى.

في هذا السياق، قد يجد الكيان الفرصة سانحة لتوجيه ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد الحزب، خاصة إذا حصلت على ضوء أخضر أمريكي أو على الأقل عدم اعتراض قوي من المجتمع الدولي. السيناريو المحتمل هو أن تل أبيب قد تسعى إلى دفع الحزب للرد على استفزازات محدودة، مما يمنحها ذريعة لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية إلى داخل الأراضي اللبنانية، في محاولة للوصول إلى نهر الليطاني، وهو هدف استراتيجي قديم للكيان منذ اجتياحه للبنان عام 1982. لكن أي تصعيد ضد “حزب الله” يحمل مخاطر كبيرة، حيث إن الحزب قادر على شن هجمات صاروخية واسعة ضد المدن الإسرائيلية، مما قد يؤدي إلى نشوب حرب إقليمية لا تستطيع إسرائيل التحكم في مسارها بالكامل.

تقليص النفوذ الإيراني في العراق: واشنطن والكيان في مهمة مشتركة؟

إلى جانب غزة ولبنان، فإن العراق يمثل ساحة أخرى للصراع في إطار التنافس بين إسرائيل وإيران. منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تمكنت إيران من ترسيخ نفوذها في البلاد عبر دعم الفصائل المسلحة المنضوية تحت مظلة “الحشد الشعبي”، التي أصبحت قوة مؤثرة في المشهد السياسي والعسكري العراقي. لكن مع تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، تسعى واشنطن إلى إعادة ترتيب الأوراق، وهو ما يتماشى مع المصالح الصهيونية التي ترى في العراق قاعدة محتملة لتهديداتها الأمنية، سواء من خلال دعم الفصائل المسلحة أو عبر دوره كجسر لمرور الأسلحة الإيرانية إلى سوريا ولبنان.

خلال الأشهر الأخيرة، ازدادت الضغوط الأمريكية على حكومة بغداد لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الجماعات الموالية لإيران، سواء عبر تقليص نفوذها في الأجهزة الأمنية أو حتى استهداف بعض قادتها عسكريًا. في هذا السياق، فإن الكيان الصهيوني قد يلجأ إلى تنفيذ عمليات سرية ضد هذه الجماعات، على غرار ما فعلته سابقًا في سوريا، حيث استهدفت قادة ميدانيين مرتبطين بإيران، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد جديد في العراق، وربما إلى رد إيراني مباشر ضد المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية في المنطقة.

رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو يقف مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض في واشنطن، 15 سبتمبر 2020. (REUTERS/Tom Brenner)

نحو مرحلة جديدة من التصعيد الإقليمي؟

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الكيان يتجه نحو تصعيد جديد قد لا يقتصر على غزة، بل يمتد ليشمل لبنان والعراق، ضمن استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي لصالحها. التهجير القسري لسكان غزة، وتوجيه ضربة عسكرية لـ”حزب الله”، وتقليص النفوذ الإيراني في العراق، كلها أهداف مترابطة تسعى الصهيونية إلى تحقيقها ضمن بيئة إقليمية متغيرة، حيث تنشغل القوى الدولية بصراعات أخرى، ما قد يمنح تل أبيب هامشًا أكبر لتنفيذ سياساتها بأقل تكلفة دبلوماسية.

لكن نجاح هذه الخطة ليس مضمونًا، إذ إن أي تصعيد عسكري في غزة قد يؤدي إلى تداعيات غير محسوبة، خاصة إذا ما تدخلت أطراف أخرى في الصراع. كذلك، فإن “حزب الله” لا يزال قوة عسكرية قادرة على إلحاق خسائر كبيرة بإسرائيل في أي مواجهة مستقبلية. أما في العراق، فإن محاولة تقليص النفوذ الإيراني قد تؤدي إلى تصعيد جديد بين واشنطن وطهران، مما قد يفتح جبهة صراع جديدة في المنطقة. في النهاية، إن التطورات القادمة ستحدد ما إذا كان الكيان الصهيوني سينجح في فرض رؤيته الاستراتيجية أم أنه سيواجه مقاومة إقليمية تعيق تحقيق أهدافه.

القرار الحرّ،
الولاء للوطن، السيادة للشعب.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *